محمد بن جرير الطبري

284

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

في سودان عرينة ، قال : أتوا رسول الله ( ص ) وبهم الماء الأصفر ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم فخرجوا إلى إبل رسول الله ( ص ) من الصدقة ، فقال : اشربوا من ألبانها وأبوالها . فشربوا من ألبانها وأبوالها ، حتى إذا صحوا وبرأوا ، قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل . وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل الله هذه الآية على نبيه ( ص ) معرفة حكمه على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا ، بعد الذي كان من فعل رسول الله ( ص ) بالعرنيين ما فعل . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك ، لان القصص التي قصها الله وجل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم ، فأن يكون ذلك متوسطا من يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم ، أولى وأحق . وقلنا : كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ( ص ) بالعرنيين ما فعل لتظاهر الاخبار عن أصحاب رسول الله ( ص ) بذلك . وإذ كان ذلك أولى بالآية لما وصفنا ، فتأويلها : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا ، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ، ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ، يقول : لساعون في الأرض بالفساد ، وقاتلوا النفوس بغير نفس وغير سعي في الأرض بالفساد حرب الله ولرسوله ، فمن فعل ذلك منهم يا محمد ، فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده ، ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الاسلام دون أهل الحرب من المشركين ؟ قيل : جاز أن يكون ذلك كذلك ، لان حكم من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل ذمتنا وملتنا واحد ، والذين عنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة ، وإن كان داخلا في حكمها كل ذمي وملي ، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحا نزولها فيمن نزلت فيه . وقد اختلف أهل العلم في نسخ حكم النبي ( ص ) في العرنيين ، فقال بعضهم : ذلك حكم منسوخ ، نسخه نهيه عن المثلة بهذه الآية ، أعني بقوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا . . . الآية ، وقالوا : أنزلت هذه الآية عتابا لرسول الله ( ص ) فيما فعل بالعرنيين .